هذه اللوحات البديعة روائع فنية تشعّ برقيٍّ أنيق وحسٍّ جمالي آسر ضمن الجمال النحتي لهيئات بوذا.

<إحدى أروع اللوحات البوذية من عهد مملكة غوريو (918-1392): أفالوكيتشفارا قمر الماء.>
الرسم البوذي، زهرة الفن البوذي
يزدان سقف كنيسة سيستينا في مدينة الفاتيكان بلوحة جدارية فريسكو تصوّر الخلق وفق الرواية التوراتية بريشة مايكل أنجلو. وحتى من لا يعرفون كنيسة سيستينا معرفة وافية يعرفون لوحة «خلق آدم» لمايكل أنجلو، إذ يزور عدد لا يحصى من الناس كنيسة سيستينا كل عام لمشاهدة هذا العمل الأخّاذ عن قرب.

<تصوّر لوحة طقس الرحيق هذه من عهد مملكة جوسون مشهداً بانورامياً لطقس يقود فيه بوذا جميع الكائنات التي تعاني في هذا العالم وفي الجحيم في العالم الآخر إلى النيرفانا، بمنحهم رحيقاً يُسمّى غامنو، في تجسيد لتعاليم بوذا عن الاستنارة.>
تماماً مثل كاتدرائيات أوروبا ومعابدها، تمتلئ المعابد البوذية الكورية بالعديد من اللوحات. ولا تقتصر هذه اللوحات على الجدران والأسقف وأعمدة المباني، بل تشمل أيضاً التانغهوا (لوحات ذات إطار زخرفي تُعلّق على الجدران)، والغيونهوا (رسوم موضّحة في كتب النصوص البوذية أو منفّذة على قوالب خشبية)، ولوحات الشاشات القابلة للطي. وعلى الرغم من أن اللوحات البوذية تتخذ صيغاً متعددة وتتناول موضوعات مختلفة، فإن كل عمل منها يتمتع بأعلى درجات الإتقان الفني.

<«بوذات أميتابها الثلاثة» لوحة جدارية تقع خلف بوذا الجالس في قاعة الفردوس بمعبد تشونونسا في غورييه.>
تمثيل جمالي لعالم أفاتامساكا البوذي
على خلاف نظيراتها التبتية والصينية واليابانية، تبدو هيئات بوذا التي تظهر في اللوحات البوذية الكورية ذات مظهر إنساني للغاية. وبعيداً عن أي بنية تخطيطية أو رمزية محددة، تُبدع اللوحات البوذية الكورية بأسلوب واقعي وفي الوقت نفسه شديد الفنية. ومن خلال استخدام الأحمر والأخضر والأزرق كألوان أساسية، تتخللها درجات الأصفر الطيني والأبيض، تكتسب اللوحات مظهراً مألوفاً وغامضاً في آن واحد. وفوق ذلك، يُصوَّر بوذا، الذي يحتل المركز دائماً، هيئةً كبيرة جداً، تحيط بها بوديساتفات وآلهة أدنى مرتبة متموضعة على نحو متناظر عن يمينه ويساره، في تمثيل لنظام عالمي مستقر.

<تصوّر هذه اللوحة من عهد مملكة جوسون، العائدة إلى عام 1703، ستة بوديساتفات يحيطون ببوذا أميتابها وهو يلقي عظة في الفردوس.>
غالباً ما تصوّر موضوعات هذه اللوحات بوذا وهو يلقي عظة حول سوترا اللوتس على جبل يونغتشوكسان (عظة يونغسان)، أو حياة شاكياموني في ثمانية مشاهد. وتشمل موضوعات أخرى بوذا فايروتشانا، وبوذا أميتابها، وبوذا الطب، والبوديساتفات، وملوك العالم السفلي، والآلهة الحارسة السبعة، وبوذا المستنير. وكان العصر الذهبي للرسم البوذي الكوري خلال مملكة غوريو في القرن الثالث عشر. غير أن ما نجا من لوحات تلك الحقبة قليل بسبب الفقدان في الحروب أو الحرائق، بينما توجد الأعمال الباقية في حيازة دول أخرى، من بينها اليابان. لذلك فإن معظم اللوحات البوذية الموجودة في كوريا اليوم تعود إلى ما بعد القرن السابع عشر. ونادراً ما تُعرض لوحات غوريو البوذية أمام الجمهور.

<لوحة بوذية تصوّر أفالوكيتشفارا (غوانسيوم-بوسال)، الذي ينقذ الكائنات من معاناة العالم الواقعي.>

<لوحة تانغهوا حريرية من عهد مملكة جوسون تصوّر بوديساتفات وقادة عسكريين يحرسون بوذا.>
أفالوكيتشفارا قمر الماء
حظيت لوحة «أفالوكيتشفارا قمر الماء»، التي عُرّفت بها الجماهير الغربية للمرة الأولى عام 2003 في معرض بمدينة سان فرانسيسكو، باهتمام كبير لألوانها وأناقتها وتعبيرها النحتي المذهل. ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عنها: «إنها تعادل الموناليزا». وقد شكّل عرضها نقطة تحول كُشف عندها للعالم الرقي الفني للوحات البوذية الكورية.

<أفالوكيتشفارا قمر الماء، التي أُنجزت عام 1310 خلال عهد مملكة غوريو، عُرضت في سان فرانسيسكو عام 2003.>
تُظهر السجلات أن الأصل كان على الأرجح أكبر من اللوحة التي نعرفها اليوم. ومع ذلك، وبطول 4.3 متر وعرض 2.54 متر، فهي أكبر اللوحات البوذية الباقية من عصر غوريو. وتحظى «أفالوكيتشفارا قمر الماء» بتقدير رفيع لدرجة اكتمالها الفني، ويُقال إنها أُنجزت عام 1310 ضمن تعاون واسع ضمّ نخبة الفنانين الملكيين في غوريو، الذين حشدهم الملك تشونغنيول وملكة الملك تشونغسون. ولأسباب مجهولة، أُرسلت لاحقاً إلى اليابان، حيث تقيم اليوم في ضريح كاغامي-جينجا بمحافظة شيغا. ونظراً إلى أنها تراث ثقافي مهم في اليابان، وبسبب ما لحق بها من تلف واسع، تُحرس اللوحة بعناية مشددة ولا يُسمح لعامة الجمهور بالوصول إليها.

<أفالوكيتشفارا قمر الماء من عهد مملكة غوريو.>
تصوّر «أفالوكيتشفارا قمر الماء» بصورة درامية الصراعات الذهنية للبشر الذين يدركون أن القمر المنعكس على الماء ليس القمر الحقيقي في السماء. وتُظهر عابدين بلغوا، عند نهاية صراعهم الذهني، النيرفانا تحت حماية بوديساتفا كوان ين، وهو تجسّد لبوذا أميتابها.
* الصور بإذن من موسوعة الثقافة الكورية وإدارة التراث الثقافي في كوريا.